الحرب الأمريكية القادمة ضد إيران شكلها وتداعياتها

قراءة فى الحرب الأمريكية

بعد تفكك الاتحاد السوفيتى، وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة هى القطب الأوحد فى النظام العالمى الجديد، شنت الولايات المتحدة خمسة حروب ضد عدد من دول العالم الثالث التى أسمتها بالدول الهادفة لمجرد أن تلك الدول رفضت الهيمنة التى كانت أمريكا تريد فرضها على تلك الدول. وتلك الحروب هى ما يلى:

  • حرب الخليج الثانية من 17/1/91 حتى 28/2/91.

  • عملية ثعلب الصحراء ضد العراف من 15/12/98 حتى 18/12/98

  • الحرب ضد يوغوسلافيا من 24/10/2001 حتى 14/11/2001

  • الحرب ضد العراق من 19/3/2003 حتى 9/4/2003

ورغم الاختلاف الظاهرى فى طبيعة العمليات فى كل من تلك الحروب، إلا أنها كانت تتفق فى أسلوب التخطيط وإدارة الحرب من الوجهة السياسية والحربية. ومن هذه الخطط يمكننا أن نكتشف نقاط القوة التى تتمتع بها أمريكا، وكذلك نقاط الضعف التى يمكن للدول والشعوب التى ترفض الهيمنة الأمريكية أن تلجأ إليها.

وإذا كانت الإستراتيجية الأمريكية قبل تفكك الاتحاد السوفيتى مبنية على أساس قدرة الولايات المتحدة أن تقاتل فى جبهتين ضد دولتين من دول العالم الثالث، دون أن يتأثر التوازن العسكرى بينها وبين الاتحاد السوفيتى فى الجبهة الأوروبية، فقد أثبتت حرب الخليج الثانية خطأ هذه النظرية فمن أجل حشد القوات الكافية لضرب العراق، اضطرت أمريكا إلى سحب معظم قواتها التى كانت تتمركز فى الجبهة الأوروبية. وبالرغم من كل ذلك فقد كانت أمريكا فى حاجة إلى دعم عسكرى إضافى من الدول الصديقة المتحالفة معها. وعندما بدأت هجومها ضد العراق، كانت القوات الأمريكية تمثل فقط 50% من حجم قوات التحالف. وهذا يعنى أن أمريكا لا تستطيع وحدها أن تشن حرباً ضد دولة من دول العالم الثالث المتوسطة الحجم، إلا إذا ضمنت مقدماً تأييد جميع أو غالبية دول العالم لها فى هذه الحرب سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

نقاط الضعف الأمريكية

رغم أن أمريكا تتمتع بتفوق ساحق فى مجال القتال عن بعد بواسطة الطائرات والصواريخ، إلا أن هذه القوة الساحقة تحمل فى طياتها نقاط ضعف خطيرة إلا تحولت الحرب إلى قتال عن قرب. ويمكن تلخيص نقاط الضعف الأمريكية فيما يلى:

- تحرص أمريكا قبل أن تقوم بحرب ضد أى دولة من دول العالم الثالث المتوسطة الحجم، على أن تحصل على تأييد دولى على المستوى السياسى والعسكرى والاقتصادى.

- لا تميل إلى استخدام قواتها البرية إلا فى حالات الضرورة القصوى، لأن استخدامها يؤدى إلى خسائر بشرية كبيرة. وبالتالى فإن أكثر ما يزعج أمريكا فى الحروب هو حرف العصابات. وحربها الأخيرة فى العراق هو خير شاهد على ذلك. فطبقاً للأرقام المعلنة بواسطة السلطات الأمريكية، فإن خسائرها فى الحرب النظامية التى استمرت ثلاثة أسابيع 751 قتيل. أما خسائرها نتيجة حرب العصابات ضد قوات الاحتلال الأمريكى من10/4/2003 وحتى 20/2/2006 بلغ 2278 قتيل وأكثر من 8000 جريح. ولا يدخل ضمن هذه الأرقام القتلى من غير الأمريكيين الذين يتعاونون مع سلطات الاحتلال، حيث أنهم أهداف قوات المقاومة ضد الاحتلال.

- لا تستطيع أمريكا أن يتحمل وحدها تكاليف الحرب. وعلى سبيل المثال، فإن تكاليف الاحتلال الأمريكى لأفغانستان والعراق يبلغ 80 مليار دولار سنوياً ويتحمل حلفاؤها 40 مليار دولار أخرى.

- أمريكا لا تتبع نظام التجنيد الإجبارى. فجميع جنودها من المتطوعين، وبالتالى فإن الجنود الذى يتطوعون للخدمة بالقوات المسلحة الأمريكية هم أكثر الفئات الأمريكية فقراً، وأقلهم حظاً فى الحصول على قدر من التعليم. وهم ينضمون إلى القوات المسلحة الأمريكية، لأن البديل المتاح إليهم هم البطالة. ولكن لا أحد يريد أن يتطوع لكى يموت أو يصاب بعاهة مستديمة من أجل حرب غير عادلة. ونظراً لازدياد عدد القتلى والجرحى فى العراق نتيجة عمليات المقاومة، فهم يهربون من الخدمة أو لا يقومون بتجديد تطوعهم عندما يحل موعد انتهاء عقودهم. وقد خلق هذا الموقف صعوبات كبيرة أمام القيادة الأمريكية لكى تستكمل حاجتها من الجنود.

- رغم أن الألغام البحرية هى أرخص الأسلحة، إلا أن استخدامها بكثافة فى الممرات البحرية تسبب إزعاجاً كبيراً للقوات البحرية الأمريكية.

وأن استغلال الدول التى ترفض الهيمنة الأمريكية لنقاط الضعف المذكورة، لا تعنى أنها قادرة على تحقيق نصر حاسم ضد الولايات المتحدة، ولكنها تعنى أنها ترفع ثمن انتصار الولايات المتحدة على تلك الدول، مما قد يردع الولايات المتحدة ويدفعها إلى الإقلاع عن التفكير فى غزو تلك الدول وإخضاعها بالقوة إلى الهيمنة الأمريكية. وهذا هو ما تفعله حالياً كل من إيران وكوريا الشمالية. وهو أيضاً ما تحاول قوات المقاومة العراقية القيام به ضد الاحتلال الأمريكى للعراق.

السلاح النووى وقيود استخدامه

لم يعد إنتاج القنبلة النووية سراً منذ زمن بعيد. ففى عام 1977 تمكن طالب من جامعة بريستون ، يدعى جون فيليبس ، وكان عمره أقل من عشرين سنة، أن يقدم لأستاذه نموذجاً لقنبلة نووية معتمداً على المعلومات الغير محظورة. كانت القنبلة فى حجم الكرة التى يلعب بها المصطافون على الشواطئ. كانت قوتها التدميرية عشرة آلاف طن من المفرقعات التقليدية،وكان تكاليف تصنيعها ألفين فقط من الدولارات (جاء ذلك فى التقرير السنوى المقدم لمجلس الشيوخ الأمريكى عام 2002) ويعتبر هذا النموذج الذى صممه فيليبس , هو النموذج المثالى لم يمكن أن تنتجه الجماعات الإرهابية، أو الدول الغير نووية. وإذا كان الأمر كذلك، فما الذى يمنعهم من إنتاج هذه القنبلة؟ هناك مشكلتان.

المشكلة الأولى هى أن الدول المالكة للأسلحة النووية، تفرض حصاراً شديداً على انتقال المكونات لتلك القنابل إلى الدول الغير نووية. بل أن بعضها يلجأ إلى التدخل العسكرى لإجهاض أى محاولة لتصنيع تلك القنابل النووية. فقد قامت المخابرات الإسرائيلية بعملية تخريب معدات المفاعل النووى العراقى عندما كانت فى المخازن فى فرنسا فى انتظار شحنها إلى العراق فى إبريل 1979. كما قامت الطائرات الإسرائيلية فى 7 يونيو 1981 بتدمير المنشآت النووية العراقية للمرة الثانية فى بغداد. وأنه لمن المؤسف حقاً أن فرنسا التى أنتجت المفاعلين النووين لحساب العراق، هى نفسها التى ساعدت إسرائيل لكى تدمرهما!!

والمشكلة الثانية هى أن من يمتلك السادح النووى يجب أن يكون لديه القدرة على امتصاص الضربة الأولى، وأن يكون قادراً على توجيه الضربة الثانية إلى الخصم. وهذا يكاد يكون مستحيلاً بالنسبة للدولة، حيث أن المنشآت النووية كبيرة ولا يمكن إخفاؤها، وتعتمد على الخبرات الأجنبية التى لا يمكن أن نضمن ولاءها. ولكن ذلك لا ينطبق على القنبلة النووية البدائية التى يمكن تصنيعها فى غرفة واحدة كما فعل فيليبس عام 1977.

ومن هنا ظهرت مدرستان حول أسلوب استخدام الأسلحة النووية. تقول المدرسة الأولى أنه لا الدول الغير نووية، ولا الجماعات الإرهابية، ولا الجماعات التى تقاوم الاحتلال الأجنبى بقادرة على تحمل الضربة الأولى ثم تكون قادرة على توجيه الضربة الثانية للدولة التى اعتدت عليها. أما المدرسة الثانية فهى تعارض هذا الرأى. وتقول أنه فى الإمكان تصنيع عشرات القنابل النووية البدائية التى لا يزيد وزن الواحدة منها بجميع مكوناتها عن 25كجم، بطريقة سرية. ثم تهريبها إلى خارج البلاد فى حيازة خلايا نائمة يتم إيقاظها فى الوقت المناسب. فإذا تم ذلك فإن الدول أو الجماعات الجائزة لتلك القنابل المنتشرة فى أماكن كثيرة قادرة على امتصاص الضربة الأولى، وأن توجه ضربات انتقامية مؤلمة للطرف الذى اعتدت عليها.

معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية

فى مايو 1995، أصدر مؤتمر نيويورك الذى شاركت فيه 168 دولة من بينها مصر قرارا بحظر انتشار الأسلحة النووية. وفيما عدا إسرائيل والهند والباكستان التى أعلنت رفضها، فقد أصبحت جميع الدول التى حضرت هذا المؤتمر ملتزمة أبدياً بهذه المعاهدة. ورغم أن إسرائيل كانت تمتلك أسلحة نووية منذ عام 1975، ورغم أن المجتمع الدولى كان يعلم ذلك، فإن أمريكا أرادت لإسرائيل أن تستمتع بموقف قانونى يحرم على الوكالة الدولية للطاقة النووية التفتيشات التى تفرضها معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. والآن وطوال العشر سنوات الماضية، وعشرات من السنين القادمة، فإنه كلما تحتج دولة عربية أو إسلامية لدى الأمم المتحدة أو لدى الوكالة الدولية للطاقة النووية، وتتساءل لماذا تفتشون علينا ولا تفتشون على إسرائيل، فإن الإجابة جاهزة: لأنها ليست موقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

التحالف الأمريكى الصهيونى ضد إيران

فى خلال عام 1993، حصلت إيران على موافقة الصين على تقديم المساعدة الفنية لبناء محطة كهربائية قوتها 300 ميجاوات على أن تعمل بالوقود النووى. ورغم أن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التى صدرت فى مايو 1995 لا تحرم استخدام الذرة فى الأغراض السلمية، إلا أن الرئيس الأمريكى Bill Clinton فرض المقاطعة التجارية على إيران فى إبريل 1995. وكان تبريره لهذا القرار ما يلى:

  • إن إيران نسعى لأن نتخذ من وراء اتفاقها مع الصين إلى التوصل إلى التقنيات التى تمكنها من إنتاج الأسلحة النووية.

  • وأنها تقوم بتشجيع عمليات الإرهاب الدولى.

  • وأنها تعرقل التوصل إلى السلام فى منطقة الشرق الأوسط.

  • وأنها تمارس ضغوطاً على أنظمة الدول المجاورة لها.

  • وأنها كانت تقوم بتحديث أسلحتها التقليدية.

وازداد الموقف تدهوراً بين إيران من جانب وبين أمريكا وإسرائيل من جانب آخر بعد أن تولى أحمدى نجاد منصب الرئاسة فى إيران. ففى 26/10/2005 قال الرئيس الإيرانى فى خطاب له "إن إسرائيل يجب شطبها من الخريطة. وأن إيجاد عالم خال من أمريكا وإسرائيل يمكن تحقيقه. ومنذ هذا التاريخ بدأ العد التنازلى لقيام كل من أمريكا وإسرائيل – وبدعم أوروبى – بتوجيه ضربة قوية ضد إيران. والصراع الذى يدور الآن هو: كيف ستكون هذه الضربة. هل تكون على شكل غزو إيران كما كانت الحالة بالنسبة لأفغانستان وبالنسبة للعراق. أم يكون على شكل قصفات جوية وصاروخية، يتم خلالها تدمير جميع المنشآت النووية الإيرانية، بالإضافة إلى تدمير البنية النحتية وفى اعتقادى فإن الحل الثانى هو الحل المتاح.

الخطة الإيرانية للتصدى

إذا افتراضنا أن الخطة الأمريكية ضد إيران ستكون على شكل ضربات جوية وقصفات صاروخية يوجه إلى أهداف من بعد. وان هذه الهجمات قد تستمر إلى أسبوعين تقريباً .. فإن عناصر الخطة الإيرانية سوف تعتمد على ما يلى:

  • تعزيز الدفاع الجوى لإسقاط أكبر عدد ممكن من الطائرات والصواريخ.

  • توجيه ضربات انتقامية ضد إسرائيل.

وإذا استعرضنا الإمكانيات الدفاعية المعروفة لدى إيران، فإننا نجد أنه ليس لديها دفاع جوى قوى يمكن أن يتصدى للطائرات والصواريخ التى تهاجمها. أما بخصوص الضربات الانتقامية ضد إسرائيل فنحن نعلم أن إيران تمتلك صواريخ أرض ذات مدى يمكن أن تصل إلى إسرائيل. ولكن هذه الصواريخ لا تحمل رؤوسا نووية، وأقصى ما يحمله كل صاروخ هو طن واحد من المفرقعات التقليدية، وهى كمية محدودة لا يمكن أن تشكل قوة درع بالنسبة لإسرائيل.

وهذا ما يثير حيرة المحلل السياسى والمحلل العسكرى عندما يسمع التصريحات النارية التى تصدر من الزعماء السياسيين والقادة العسكريين الإيرانيين، والتى تندر كلا من أمريكا وإسرائيل بعظائم الأمور إذا ما فكروا فى الهجوم على إيران.

  • هل توصلوا إلى إنتاج أسلحة دفاع جوى فعال يمكن أن يسقط الطائرات والصواريخ التى ستهاجمهم.

  • هل سيقومون بعمليات استشهادية ضد الأهداف البحرية والبرية.

  • هل سيقومون بعمليات استشهادية ضد أهداف أمريكية وإسرائيلية خارج إيران.

  • هل سيشعلون النيران فى حقول البترول.

  • ما هو مدى استجابة الشعب العربى والأمة الإسلامية إلى النداءات التى سوف تنطلق من طهران لضرب المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وإسقاط الأنظمة الصديقة لهما.

كل هذه الأسئلة لا يستطيع أن يتنبأ بها أحد.