جرائم الحرب أكثر ثبوتا علي بوش من تلك التي يحاكم عليها الرئيس اليوغسلافي سلوبودان

طلب المزيد من الدبابات يعبر عن افلاس القيادة الميدانية الأمريكية إذ ليس من المعقول توفير دبابات لاختفاء كل الجنود بداخلها

أمريكا تريد أن تقود الحرب ضد العراق باسم الأمم المتحدة لتقليل خسائرها البشرية والتخلص من الأعباء المالية

والشعوب العربية و الاسلامية حكاما و محكومين مطالبون بالتصدي لهذا السيناريو لأنه سيكرس الاحتلال

اتركوا الجامعة العربية تموت في هدوء .. فجامعة تتكون من ثلاثة أعضاء يؤمنون بمصالحهم المشتركة خير ألف مرة من جامعة عربية تضم 22 لا تستطيع أن تتخذ قرارا

نزاهة الانتخابات هي حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي

 

 
 

بقلم : الفريق سعد الدين الشاذلي *
http://www.el-shazly.com
info@el-shazly.com

رغبة في امتصاص غضب الرأي العام في جميع أنحاء العالم بما في ذلك الرأي العام العربي و الاسلامي و الرأي العام في أمريكا نفسها ، أعلنت أمريكا أنها ستقدم الجنود المتهمين بالتعذيب في سجن أبو غريب  للمحاكمة العلنية في بغداد . و قد فتحت التلفزيون لأري هذه المحكمة العلنية ، فلم أجد أنها علنية ، بل هي داخل مكان مغلق لم يسمح للصحفيين أو التلفزيون أن ينقلها الي العالم الخارجي . و أصبح من يربطها بالعالم الخارجي هو البيان الرسمي الذي يصدر عن قيادة قوات الاحتلال بالعراق .

و قد اتصلت بي اذاعة الرياض الساعة 14:45 يوم 19/ 5/ 2004 لتسألني عن تعليقي علي هذه المحاكمة فقلت لها أن أمريكا تريد أن تقدم للعالم كبشا للفداء ينقذ سمعتها .. بل هي تستكثر أن تقدم كبشا فهي تريد أن تضحي بسمكتين صغيرتين لتحمي بهما السمك الكبير الذي هو المسؤول الأول عن هذه التجاوزات . و قد عززت رأيي بما يلي :

- ان عدم توقيع أمريكا علي قانون محاكمة مجرمي الحرب أمام محكمة الجنايات الدولية (International Criminal Court (ICC الذي صدر في روما في عام 1998 ، هو تشجيع للجنود الأمريكان لارتكاب تلك الجرائم . و هذا يعني أن السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة ابتداء من الرئيس الأمريكي بوش و حتي قادة قوات الاحتلال الأمريكي متضامنون في المسؤولية التي يرتكبها الجنود .
- قامت أمريكا في 2 أغسطس 2002 باصدار قانون يؤكد حماية الجنود الأمريكيين من المحاكمة علي جرائم حرب أمام أي محكمة دولية ، و أسمت هذا القانون 
American Service Members Protection Act (ASPA)  و هذا القانون هو الآخر يؤكد مسؤولية كافة الأجهزة الأمريكية .
- و أمامنا شهادة جانيس كاربنيسكي مديرة سجن أبو غريب التي تتهم الجنرال سانشيز قائد قوات التحالف البرية ، و الجنرال ميللر قائد السجون الأمريكية.
- و أمامنا شهادة الجنرال تاجوبا الذي أدلي بها أمام الكونجرس ، و الذي قال فيها أن التعذيب في سجن أبو غريب كان يتم بطريقة منهجية . و أنه لا يمكن للجنود أن يقوموا بتنفيذ ذلك إلا بناء علي أوامر من قادتهم .
- و أمامنا شهادة المجندة انجلاند التي تعترف بصراحة أن ما قامت به من تعذيب للأسري كان بناء علي أوامر من قادتها من أجل الحصول علي معلومات من المعتقلين ، و أنها حظيت علي شكر من رؤسائها لما قامت به .
- ثم هناك ما نشرته مجلتي نيويوركر و نيوزويك في 24/5 ،25/5/2004 من أن الرئيس الأمريكي بوش وافق علي مذكرة عرضت عليه تسمح للمخابرات الحربية باستخدام أقسي الوسائل ضد المعتقلين من أجل الحصول علي المعلومات . و أن هذه المذكرة يعلم بها كل من رامسفيلد ، كوندليزا رايس ، و حوالي 200 شخص آخر .
 

و بدلا من أن يقدم رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي و معه كونداليزا رايس للمحاكمة كمجرمي حرب فاذا بهم يقدموا لنا جنديا صغيرا يسمي جيرمي سيفنس ليعترف بالجريمة ( أعلن في اليوم التالي للمحاكمة بأنه حكم عليه بالسجن لمدة 12 شهرا، و و تسريحه من الخدمة بعد ذلك!! فهل هذا الجزاء يتناسب مع جريمة الحرب التي ارتكبها ) .

ان هذه التصرفات المشينة من جانب الادارة الأمريكية ، هي أكثر ثبوتا علي بوش من تلك التي يحاكم عليها الرئيس اليوغسلافي سلوبودان  ميلوسوفيتش ، الذي هو رهن الاعتقال و المحاكمة أمام محكمة جرائم الحرب الدولية في لاهاي منذ 12 فبراير 2002 . كما و أن تلك الجرائم تؤكد زيف الادعاءات الأمريكية بأنهم جاءوا الي العراق ليخلصوا الشعب العراقي من طغيان الرئيس العراقي السابق صدام حسين .

تداعيات الموقف بعد نشاط المقاومة العراقية

1- بوادرتفكك اتحاد الدول التي تحتل العراق المكون من 34 دولة : لقد كان تأثير تفجيرات مدريد في 11 مارس 2004 ، و تصاعد المقاومة العراقية ضد قوات الغزو تأثيرا كبيرا علي قرارات بعض دول الاتحاد لسحب قواتها من العراق . وكانت أسبانيا هي أول تلك الدول إذ كان ثباتيرو رئيس وزرائها قد وعد الناخبين أنه سيسحب قوات أسبانيا من العراق اذا نجح في الانتخابات . و لكن سرعان ما أعلنت هندوراس ، الدومينكان ، بلغاريا ، كازاخستان ،كوريا الجنوبية و تايلاند عزمهم علي سحب قواتهم بحلول 30 يونيو 2004 ، و هو التاريخ المعلن لتسليم السلطة للعراقيين . و يبدو أن دولا أخري تريد أن تتخذ من تاريخ 30 يونيو 2004 ذريعة لسحب قواتها من العراق . و تلك الدول هي : هولندا ، النرويج ، بولندا ، السلفادور . و لكن يبدو أن أمريكا غير جادة في تسليم السلطة الي العراقيين في 30 يونيو علي اساس أن السلطات العراقية لن تكون قادرة علي حفظ الأمن وحدها . و لذلك فانها تتفاوض مع تلك الدول الأربع لكي تبقي قواتها بعد 30 يونيو . فهل يمكن أن تنجح أمريكا في مسعاها ؟ و للإجابة علي هذا السؤال فاني أقول أن ذلك سوف يعتمد علي المقاومة العراقية . فكلما تصاعدت هذه المقاومة ، كلما فرت تلك الدول و غيرها من دول التحالف .
2-
الجنرال مايرز رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية صرح بأن عددا من القادة العسكريين في العراق طالبوا بامدادهم بأعداد أكبر من الدبابات حيث أن العربات المدرعة هامفي ، و العربات المدرعة سترايكر لا توفر الحماية الكافية للجنود . و هذا الطلب يعبر عن افلاس القيادة الميدانية الأمريكية في مواجهة الموقف . إذ ليس من المعقول توفير دبابات تكفي لاختفاء كل الجنود بداخلها .. ثم ان القاذف الصاروخي RPG  قادر تدمير الدبابة الأمريكية من مسافة 300 متر .
3-
القيادة الأمريكية تلجأ الي التعاون مع كبار الضباط في الجيش العراقي السابق ، للمساعدة في اخماد المقاومة العراقية.
4-
الجنود الأمريكيون في حالة فزع من كل قادم ، حتي أنهم يفتشون الأطفال في نقاط التفتيش خوفا من احتمال حملهم للمتفجرات .

السيناريو الأمريكي

استصدار قرار من مجلس الأمن يسمح بتشكيل قوة متعددة الجنسيات تساهم الولايات المتحدة بالنصيب الأكبر منها ، و قيادتها . و بذلك يمكنها أن تقود الحرب ضد العراق باسم الأمم المتحدة . و يمتاز هذا الحل من وجهة النظر الأمريكية بما يلي :
-    اضفاء الشرعية علي عملية الغزو الأمريكي للعراق ، و اعتبار هذا الغزو كأنه يتم بناء علي قرار من الأمم المتحدة .
- رفع الحرج عن الدول العربية و كثير من الدول الأوربية من أجل المشاركة بقوات في العراق تحت علم الأمم المتحدة . و سوف يعني ذلك تقليل الخسائر البشرية التي تتحملها أمريكا و التي بلغت حدا لا تستطيع أن تتحمله ، بعد أن وصلت الي 126 قتيل أمريكي خلال شهر ابريل 2004 .
- توزيع الأعباء المالية علي دول العالم المشاركة ، و بالتالي تخفيف العبء الاقتصادي علي أمريكا ، بعد أن أصبحت الحرب في العراق تكلفتها 4,7 مليار دولار شهريا .

ان الشعوب العربية و الاسلامية حكاما و محكومين مطالبون بالتصدي لهذا السيناريو الأمريكي . و هذا السيناريو لو تحقق فانه سيقوم بتكريس الاحتلال الأمريكي للعراق ، و يعتبر خطوة كبيرة نحو تحقيق الهيمنة الأمريكية علي العراق . تلك الهيمنة التي ستؤدي بدورها الي تمرير مشروع الشرق الأوسط ، الذي تريد أمريكا أن تفرضه علي المنطقة ، و الذي يعني فرض السلام الذي تريد أمريكا أن تفرضه علي المنطقة ، و الذي يعني فرض السلام بين العرب و اسرائيل و لكن بالشروط الاسرائيلية . و الشيء الذي يثير السخرية حقا هو تصريح الجنرال باول الذي قال " اذا طلبت السلطة العراقية منا مغادرة العراق بعد 30 يونيو القادم فاننا سنقوم بتنفيذ ذلك ، و لكننا لا نعتقد أنهم سيطلبون ذلك !! "

طبعا لن يطلبوا ذلك ياجنرال باول فانتم الذين عينتموهم و انتم الذين تعزلونهم .

القمة العربية و مشكلة العراق

لقد جاءت قرارات القمة العربية التي عقدت في تونس 22-23 مايو2004 مخيبة للآمال بصفة عامة ، و بالنسبة لمشكلة العراق بصفة خاصة . فقد كانت لا تختلف عن قرارات القمم العربية السابقة ..مليئة بالعبارات الانشائية التي سئمنا من سماعها طوال عشرات السنين الماضية دون اتخاذ أي خطوات عملية لتحقيقها . فهم يقولون في اعلانهم " تتمسك المجموعة العربية بدعم وحدة أراضي العراق ، و ضرورة اعطاء الأمم المتحدة دورا مركزيا و فعالا لانهاء احتلال العراق ، و ترتيب نقل السلطة الي شعبه "

يقولون ذلك في الوقت الذي تقوم فيه أمريكا بتجزئة العراق بين الأكراد و السنة و الشيعة . بل إنهم يقومون بخلق الانشقاقات بين السنة و السنة ، و بين الشيعة و الشيعة . و هم يطالبون باعطاء دورا فعالا لانهاء احتلال العراق . و لست أدري كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل الاحتلال الأمريكي . ان أمريكا يا سادة في مأزق كبير في العراق .. ان خسائرها البشرية المتزايدة قد أصبحت فوق طاقتها ،و استمرار بقائها يكلفها 4.7 مليار دولار شهريا .. و هي التي تسعي حاليا لاستصدار قرار من مجلس الأمن يعطي دورا شكليا للأمم المتحدة من أجل توزيع التبعات المالية علي أكبر عدد من الدول ، و من أجل أن يكون تدخلها لقمع الثورة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي طبقا لأوامر الأمم المتحدة .

و لمن من العراقيين تقوم أمريكا بتسليم السلطة في 30 يونيو القادم ؟ الي الأشخاص الذين قامت هي بتعيينهم في مجلس الحكم العراقي و الي الوزراء الذين قامت هي بتعيينهم و هي التي تقوم بعزلهم ؟؟
إن أمريكا في هذه الحالة انما تقوم باستبدال موظفيها الأمريكان بموظفين يحملون الجنسية العراقية و لكن هويتهم أمريكية.

الحل الذي يجب علينا أن نتمسك به

فيما يلي المباديء العامة للحل الذي يجب أن يتمسك به العرب :

1-      لا لتسليم السلطة للعراقيين في ظل الاحتلال الأمريكي البريطاني

2-      لا لتسليم السلطة لعراقيين لم ينتخبهم الشعب العراقي

3-   المطالبة بتسليم السلطة من قوات الاحتلال الي الأمم المتحدة في 30 يونيو 2004 و يتبعه فورا جلاء جميع قوات التحالف عن العراق .

4-   تقوم قوات الأمم المتحدة بمسؤولية المحافظة علي الأمن اعتبارا من أول يوليو 2004 و حتي 30 يونيو 2005 . و يتم خلالها ما يلي :

أ - في خلال الفترة من أول يوليو 2004 حتي 31 ديسمبر 2004 يتم اجراء انتخابات حرة يتم علي اثرها انتخاب حكومة عراقية مؤقتة ، و انتخاب جمعية تأسيسية تكون مهمتها وضع دستور عراقي جديد .

ب – و في خلال الفترة من أول يناير 2005 و حتي 30 يونيو 2005 يتم خلالها الانتهاء من وضع الدستور و الاستفتاء عليه ، و اجراء انتخابات جديدة يتم طبقا لنتائجها تشكيل مجلس تشريعي ، و حكومة عراقية . و يتم خلال تلك الفترة استكمال مؤسسات الدولة . و يتم تسليم السلطات السيادية و الأمنية الي الحكومة العراقية المنتخبة في 30 يونيو 2005 .

 
 

الجامعة العربية و الاتحاد الأوروبي

لقد أنشيء الاتحاد الأوربي في عام 1958 . و كانت الدول المؤسسة لهذا الاتحاد 6 دول فقط هي : فرنسا ، ألمانيا ، ايطاليا ، هولندا ، بلجيكا و لوكسمبورج . و في عام 1973 انضمت الي الاتحاد كل من الدنمارك ، الملكة المتحدة ، ايرلندا . و في عام 1981 انضمت اليونان ، و في عام 1986 انضمت اسبانيا و البرتغال . و في عام 1995 انضمت النمسا، فنلندا و السويد . و في 2004 انضمت عشر دول هي : بولندا ، المجر ، تشيكيا ، سلوفاكيا ، سلوفينيا ، ليتوانا ، لاتفيا ، استونيا ، قبرص و مالطا . و رغم أن الجامعة قد انشئت قبل الاتحاد الأوربي بحوالي 11 سنة فانها لم تحقق أي شيء بينما الاتحاد الأوربي قد حقق الكثير جدا .
لقد أصبح للاتحاد عملة نقدية واحدة . و أصبحت حرية الانتقال و حرية العمل في أي دولة من دوله مكفولة للجميع . و أصبح له برلمان موحد . و سياسة خارجية موحدة . أما جامعة الدول العربية فلم تحقق أي شيء من هذا . و هنا لابد أن نسأل أنفسنا لماذا هم نجحوا في تحقيق كل ذلك حيث فشلنا ؟
و الاجابة هي أن المؤسسين لهذا الاتحاد وضعوا ضوابط و شروطا للانضمام الي هذا الاتحاد حتي تكون العناصر المكونة للاتحاد متشابهة و ليست متنافرة .
و كانت أهم شروط الانضمام الي الاتحاد ما يلي :

1 – أن يكون النظام السياسي في الدولة نظاما ديمقراطيا يسمح بتداول السلطة و يكفل حرية التعبير و احترام حقوق الانسان طبقا للمواثيق الدولية، و أن يكون هناك شفافية في اجراء الانتخابات .

2 – أن يضع الاتحاد الدولة الراغبة في الانضمام الي الاتحاد فترة زمنية قد تطول و قد تقصر حتي تصبح مستوفية للشروط التي يجب تحقيقها قبل قبولها في الاتحاد . و قد رأينا أن الدول الأوربية التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي و التي كانت ضمن حلف وارسو ( بولندا ، المجر ، تشيكيا ، سلوفاكيا ، سلوفينيا ، استونيا ، ليتوانيا ، لا تفيا ) انتظرت حوالي عشر سنوات لكي تتحول من النظام الشمولي الي النظام الديمقراطي و نظام الاقتصاد الحر قبل أن يسمح لها بالانضمام الي الاتحاد الأوربي في  1 /5/2004 .

3 – أن تكون هناك مكاسب اقتصادية و اجتماعية لجميع دول الاتحاد نتيجة انضمام عناصر جدد الي الاتحاد . و حيث أنه من المتوقع أن تزداد هجرة العمال في الدول الفقيرة الي الدول الغنية .. و حيث أنه من المتوقع أن تقوم الشركات الكبري في الدول الغنية بتفكيك بعض مصانعهم و اعادة تركيبها في الدول الفقيرة حيث الأيدي العاملة رخيصة .. فلا شك أن ذلك سيشكل منافسة قوية للعمال في الدول الغنية مما يهددهم بالبطالة أو بالقبول بأجور أقل مما كانوا يحصلون عليها في السابق . إلا أن ذلك لن يدوم طويلا حيث أن رخص الأيدي العاملة الوافدة من الدول الفقيرة سيترتب عليه رخص المنتج الذي سيعود بالفائدة علي غالبية الشعببما في ذلك طبقة العمال في الدول الغنية .

و بالرغم من ذلك فقد سمح للدول الغنية أن تتحكم في باب الهجرة بالنسبة للوافدين من الدول الفقيرة . و تحقيقا لذلك فقد سمحت فرنسا فقط للطلبة و الباحثين و أصحاب المهن الحرة بالدخول و العمل فيها بشرط أن تعترف المهن الفرنسية المقابلة بشهاداتهم . أما العاملون في مجالات العمالة غير الماهرة فلن يسمح لهم بالعمل في فرنسا قبل عام 2009 . و قد حذت كل من المانيا و ايطاليا حذو فرنسا، و ان اختلفت السنوات التي تفرض فيها تلك الدول قيودا علي الهجرة الي بلادها .

و اني أري أن هذه الشروط الثلاثة هي شروط رائعة يمكن أن تكون الثوابت التي يجب أن تطبق علي كل من ينضم الي الجامعة العربية . نعم هناك اختلافات بسيطة بين مفهومنا للديمقراطية و مفهوم دول الاتحاد لها .
فهم يبالغون في الحرية الشخصية و حقوق الانسان الي حد تقبلهم بالشذوذ الجنسي و زواج الجلين ، و الغاء عقوبة الاعدام في القصاص و هو ما نرفضه رفضا باتا . و أن النص في الدستور بأن الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ،يمكن أن يطهر الديمقراطية الغربية من كل أو من معظم شوائبها .

وحدة الهدف أم وحدة الصف

من أسباب فشل الجامعة العربية هو أنها كانت تهتم بالشكل دون المضمون . كانت تحاول أن تظهر أمام شعوبها بأنهم متفقون تماما . و كان ذلك يعني البحث عن حلول توفيقية غامضة يمكن أن يفسرها كل عضو كما يحلو له ، و ذلك بهدف ان نؤكد وحدة الصف العربي . و اني أري أن عدم ذكر الحقيقة أو التراجع عن القرار السليم من أجل المحافظة علي وحدة الصف هو خطأ كبير و يتعارض مع عقائدنا الدينية . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلاَ تَظْلِمُوا ».

أسلوب اتخاذ القرارات

و أسلوب اتخاذ القرارات كان هو أحد المعوقات التي أدت الي فشل الجامعة التي كانت تأخذ بمبدأ الاجماع . و مما لا شك فيه فان مبدأ الاجماع في اتخاذ القرارات هو مبدأ ظالم . انه يسوي بين دولة تعدادها 70 مليون و بين دولة تعدادها أقل من نصف مليون .  و هو يسوي بين دولة ناتجها المحلي 185 مليار دولار ، و دولة لا يزيد ناتجها عن 600 مليون دولار . و هو يسوي بين دولة متوسط دخل الفرد فيها 28700 دولار في السنة و دولة متوسط دخل الفرد فيها 415 دولار . و هو يسوي بين دولة تتحمل العبء الأكبر في  مسؤولية الدفاع عن الاتحاد و تمتلك3000 دبابة و أكثر من 500 طائرة قتال و بين دولة لا تملك سوي 35 دبابة و 8 طائرات . و العدل  يقتضي أن يكون صوت كل عضو في الاتحاد يتناسب مع حجم التبعات التي يتحملها . و ليس معني هذا أن يكون لدي دولة 50 صوت و أخري صوت واحد ، حيث أن ذلك سيكون شرطا مانعا لدخول الدول صغيرة العدد و قليلة الامكانيات . و لكن من الممكن أن نقسم الدول العربية الي خمسة مجموعات و يكون أقلها له صوت واحد و أكثرها 5 أصوات و هذا هو أحد الأساليب التي اتبعتها الولايات المتحدة فيما يتعلق بعدد الأصوات المتاحة لكل ولاية من الولايات الأمريكية في مجلس الشيوخ الأمريكي . و يكون التصويت بعد ذلك علي القرارات الهامة بأغلبية ثلثي الأصوات و بالنسبة للقرارات الأقل أهمية بالأغلبية المطلقة.

كيف يبدأ الاصلاح

من المؤكد أن روشتة الاصلاح التي ظهرت ملامحها في الصفحات السابقة ستكون مرفوضة رفضا باتا من الغالبية العظمي من الدول العربية ، و ذلك لسبب بسيط و هو أننا نظلب من أنظمة غير ديمقراطية أن تقر نظاما ديمقراطيا ، ثم نأمل أن يوافقوا عليه بالاجماع ، علما بأن كل عضو من أعضاء الجامعة يملك حق النقض و يستطيع ايقاف أي قرار يصدر من الجامعة العربية حتي و لو وافق عليه جميع الآخرين . و قد رأينا كيف أوقفت تونس انعقاد مؤتمر القمة العربي في أواخر شهر مارس 2004 بقرار أحادي منها . و بالتالي فان المعادلة الصعبة التي تواجهنا هي " لا سبيل لاصلاح الجامعة إلا إذا تم اصلاح أعضائها و لا سبيل لاصلاح أعضائها من خلال قرار يصدر من الجامعة العربية " .
و أمام هذه المعادلة الصعبة ، فليس أمامنا سوي أن نترك الجامعة تموت في هدوء ، و أن  نبحث بين أبنائها الراشدين عن من يؤمن بالديمقراطية الحقيقية . و أن يلتف حوله جميع المؤمنين بالديمقراطية ليقيم نظاما عربيا ديمقراطيا شكلا و مضمونا ، و يكون مثالا يحتذي به . و هذه هي المرحلة الأولي .
أما المرحلة الثانية فهي أن تترسخ الديمقراطية في عضو أو عضوين آخرين و يكونا مجاورين للعضو الأول ، و هنا يبدأ تحالف الأعضاء الثلاثة في تنظيم جديد يكون نواة للجامعة العربية الفتية . و ليعلم الجميع أن جامعة عربية تتكون من ثلاثة أعضاء يؤمنون بمصالحهم المشتركة سياسيا و اقتصاديا و أمنيا ، و يؤمنون بديمقراطية اتخاذ القرار ، هم خير ألف مرة من جامعة عربية تضم 22 لا تستطيع أن تتخذ قرارا ملزما لجميع أعضائها . و الثلاثة سيزدادون عاما بعد عام . أما ال 22 فسوف ينقصون عاما بعد عام
.

الاصلاح السياسي الذي نريده

أما النظام السياسي الذي نطالب بضرورة توفره في كل عضو من أعضاء الجامعة العربية المرجوة ، فانه يشمل النقاط الرئيسية التالية :

1-  أن يكون نظاما جمهوريا برلمانيا دستوريا ديمقراطيا ، أو نظاما ملكيا برلمانيا دستوريا ديمقراطيا يتمتع فيه الملك أو الأمير بمكانة سامية و لكنه يملك و لا يحكم علي مثال الملكية في بريطانيا . و في جميع الحالات يجب أن تكون الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع .

2-  الفصل التام بين السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية و السلطة القضائية و عدم اعطاء الملك أو الرئيس أو الأمير أو رئيس الوزراء أي سلطات تشريعية أو قضائية .

3-  الغاء أي قوانين استثنائية قائمة مثل قانون الطواريء و قانون الأحزاب و قانون الصحافة ، و القوانين التي تتيح محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية أو محاكم خاصة .

4-   احترام حقوق الانسان طبقا للمواثيق الدولية إلا ما يتعارض منها مع الشريعة الاسلامية .

5-   اطلاق حرية تشكيل الأحزاب .

6-  اجراء انتخابات نزيهة . فلم يعد يكفي أن تعلن الحكومة أن الانتخابات التي تجريها هي انتخابات نزيهة بينما يعلم الشعب و يعلم المجتمع الدولي أنها كانت انتخابات مزورة . و نزاهة الانتخابات هي حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي . فعن طريق صناديق الانتخاب ، التي لا تتحكم الشرطة في وصول الناخبين اليها ، أو في اسقاط الأسماء من جداول الانتخابات ، و عن طريق الوعي الانتخابي ، و عن طريق اتاحة فرص اعلامية متوازنة لجميع المرشحين ، فانه يمكن أن تتحقق انتخابات نزيهة، تفرز للوطن العناصر المخلصة التي تقود المسيرة الي مستقبل أفضل .

-----------------------------------------------------
* رئيس أركان القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر